حكاية بنت من الشام لخطيبها

 حكاية بنت من الشام لخطيبها

خطيبتي دائمًا ما كانت تحكي لي دواخلها، صراعتها مع ذاتها، وضغوطات يومها، وفي يوم وجدتها ثارت على شيءٍ تافهه، لا يستلزم ذرة بكاء واحدة، إلا أنها أجهشت ببكاء حاد، شيءٌ ما داخلي اضجر من مبالغتها.. بالله الأمر لا يستدعي كل هذا! انتظرتُ حتى تهدأ وأنا أنفث الهواء بغضب مكتوم، لم تهدأ ولم ينزاح غضبي قيد أنملة حتى وجدتني أصرخ في وجهها أن تكف عن مبالغتها.

هدأت، وأظن ذلك ظاهريًا فقط!
كففت دموعها بنفس الهدوء، وابتسمت لي باضطراب فضحها.
ومن يومها وهي تبتعد عني بدواخلها، لا تكشف لي جرح قلبها، ولا تخلع رداء القوة معي، وإذا ما سألتها عن حالها، لا تكف تُردد «أنا بخير، لا تقلق»، لم أعد أفهم ما بها أو ماذا يُتعبها حتى تنأى بنفسها عني هكذا، وفي يوم كنت أرى الإرهاق بادي على ملامحها بوضوح، وعندما سألتها ماذا الأمر؟ لمست جبينها وفتحت فمها بتردد لتبوح.. لتخبرني، كنت أرى ذلك في عينيها، ولكن فجأة أطبقت شفتيها بقوةٍ ونظرت لي ومن ثم ابتسمت ورددت على مسامعي «أنا بخير».
حسنًا، هي خائفة.
ويؤسفني أن أقول أنها خائفة مني أنا، وأنني جئت مع العالم عليها.
في يوم عمل عصيب، كانت أعصابي مشدودة، كنت أشعر بأنني بركان فوهته مسدودة وفي انتظار أي شيء لينفجر.
حتى جاءت في كوب قهوة كنت طلبتها سادة وجاء بها العامل زيادة
ثرتُ، انفلتت أعصابي، وصرخت في وجه العامل بمبالغة شديدة، وكأنني استبحت وجود شيء أنفث فيه غضبي، أي شيء، حتى لو كان تافههًا، وهنا تذكرتها..
صرفته وجلست بإرهاق لم أحاول مداراته،
هي كانت خائفة، لم تكن بحاجة لمنطقية إجابة بقدر حاجتها لتقدير حزنها، لمراعاة هشاشة قلبها، هي لم تثر على ذلك الأمر حينها، بل كانت ثورتها على أمور عدة كتمتها قبلًا ولم تبح بها، ولأن قلبها لم يعد يحتمل ثارت ولم يهمها ما إذا كان سبب ثورانها، كل ما يعنيها أنها فقط ممتلئة ببكاء وآان وقت بوحه.. وأنا سخرت من حزنها، ولهذا ابتعدت! كانت خائفة أن أسخر من حزنها مرةً أخرى، أن أشعرها بأن حزنها لا معنى له وأنها تبالغ، أن أُثقل قلبها باستخفافي به، هي لم تكن بحاجة لشيء حينها سوى أن تطمئن وأنا ردعتها بدل من أن أطمئن خوفها.

ليست هناك تعليقات

آخر الموضيع المنشورة