حول تصريح السيد نور الدين ايت حمودة...

 حول تصريح السيد نور الدين ايت حمودة


لم أكن لأتدخل لو أن ما صرح به السيد نور الدين ايت حمودة يدخل في المجال السياسي البحت، لكن بما أن الأمر يتعلق بمجال التاريخ، وذكره لشخصيات محورية في التاريخ الجزائري المعاصر، فمن حق أي مهتم بالتاريخ ابداء آرائه وملاحظاته حول التصريح، لأنه يفترض أننا في مجال علمي لا سبيل فيه للاصطفاف والأحكام المسبقة، سواء من هذا الطرف أو ذاك.
وبقدر ما استغربت تصريحات نور الدين ايت حمودة في بعض محاورها، استغربت كذلك الدعوات الجارفة الى محاكمته، وكذا حملات التسفيه والتشنيع التي طالت شخصه... وفي بعض الأحيان تقويله ما لم يقل، أو تحميل أقواله ما لا يلزم من أقوال...ذلك أن المنطق يقتضي تكذيب الفكرة التي يحملها الشخص بأدلة وبراهين مقنعة، وليس محاكمته وسجنه، كما أن التسفيه أو التشنيع والتشهير السيئ بالشخص لا يجعل من فكرته خاطئة.. فهذا منهج سلطوي وتعنيفي غير سليم بالمرة، ولا يخدم الحقيقة في شيء.
تتبعت الحصة التلفزيونية كاملة، وسجلت الملاحظات التالية: 1 ـــ مقدم الحصة قدم نور الدين ايت حمودة على أنه باحث في التاريخ. (وليس بصفة النشاط السياسي). غير أن المعروف للجميع ان نور الدين ايت حمودة شخصية سياسية بارزة، كان مناضلا في حزب الارسيدي قبل ان ينفصل عنه، ونائبا في المجلس الشعبي الوطني لعهدتين.. وليس معروفا بالمرة انه باحث في التاريخ ...ولا نعرف له مؤلفات أو كتب في الأبحاث التاريخية... وليس أستاذا جامعيا أو محاضرا في الجامعات في معاهد التاريخ.
2 ـــ السيد نور الدين ايت حمودة اعتبر مصالي الحاج خائنا بصريح العبارة، وربط تخوينه لمصالي الحاج بتأسيس الأمانا (الحركة الوطنية الجزائرية، MNA)، لكنه لم يقدم ولا وثيقة واحدة يدعم بها فكرته في التخوين، هذا ما يجعل من تصريحه أقرب الى الرأي السياسي منه الى الحقيقة التاريخية، ولا نرى ان هذا سببا كافيا للخيانة... كما تجاهل السيد نور الدين ايت حمودة تأسيس مصالي الحاج للمنظمة الخاصة عام 1947، التي أوكلت لها مهمة التحضير للعمل الثوري المسلح بموافقة ورعاية مصالي الحاج نفسه.. بناء على شهادتي حسين ايت احمد ومحمد بوضياف.
3 ــ لم يخوّن نور الدين ايت حمودة الأمير عبد القادر صراحة، لكنه عاب عليه عدم استجابته لدعوة بسمارك لإعانة الجزائريين على التخلص من الاستعمار الفرنسي... كما عاب عليه عدم استجابته لدعوة المقراني للجهاد في انتفاضة عام 1871.
4 ــ لم يورد السيد نور الدين ايت حمودة أي دليل على طلب الأمير عبد القادر من القبائل مبايعته سلطانا عليهم: هذا يحتاج الى ضبط والى توضيح: هل طلب الأمير عبد القادر من القبائل أن يكون ملكا وسلطانيا عليهم، أم طلب منهم الانخراط معه في جهاده ضد الفرنسيين؟ما نعرفه تاريخيا أن الأمير عبد القادر طلب من جميع الاعراش الجزائرية الانضمام اليه في الجهاد ضد الفرنسيين، أما إذا تقدم بطلب خاص للقبائل تحديدا بأن يكون ملكا وسلطانا عليهم، فهذا يحتاج الى دليل وبرهان ... فأين هو؟!! البينة على من ادعى.
5 ــ تجاهل السيد نور الدين أيت حمودة للسياقات ظهر في مناسبتين: ــ المناسبة الأولى: عدم ذكره مساعدة قوات المقراني للقوات الفرنسية، وعدم تطرقه لمرابطتها بجبال البيبان لمنع قوات الأمير عبد القادر من الالتحاق بالشرق الجزائري. ذلك أن المعروف في الدراسات التاريخية أن عائلة المقراني كانت متحالفة مع الفرنسيين، إلى غاية قرار السلطات الفرنسية تأميم أراضي العائلة فحدثت الانتفاضة الشهيرة، وفي الوقت الذي كان يحارب فيه الأمير عبد القادر القوات الفرنسية، استنجدت هذه الأخيرة بعائلتين كبيرتين لمحاصرة الأمير عبد القادر والأعراش المتحالفة معه، ومنعهم من الالتحاق بالشرق الجزائري: عائلة بن قانة التي حشدت جيشها في نواحي بسكرة، وعائلة المقراني التي رابط جيشها في جبال البيبان بغرض منع قوات الأمير من التقدم نحو الشرق.
ــ المناسبة الثانية: لومه جماعة وجدة في الاستيلاء على السلطة، وعدم ذكره مخرجات مؤتمر طرابلس واحكامه، التي ترتب عليها الحال في 1962. الغريب ان هابت حناشي أيده في فكرته ... وقال هذا معروف للجميع!! رغم أن المعروف عند المؤرخين خلاف ذلك... قضية السلطة في 1962 كانت نتيجة حتمية لسيرورة اشغال المجلس الوطني للثورة الجزائرية أعلى هيئة دستورية سيادية للثورة الجزائرية، والذي أقر بالإجماع في جدول أعماله تبني نظام الحزب الواحد، وفي انتخاب الرئيس انتخب المجلس احمد بن بلة في الدور الأول، ثم انسحبت الحكومة المؤقتة ووزرائها ورفضوا استكمال الدور الثاني بغية منع احمد بن بلة من الرئاسة، فحدث الانسداد المشهور.. هيئة الأركان انحازت الى بن بلة .
أي انحازت الى الشرعية المبتورة التي أقرها مؤتمر طرابلس، ومن هذا، فإن القوة التي استخدمها جيش الحدود (الذي بالمناسبة أسسه وزير الدفاع كريم بلقاسم) كانت مبررة وفقا للشرعية الثورية والدستورية معا.

6 ــ وصف نور الدين ايت حمودة بومدين بالخبيث، وقال إنه على استعداد لوصفه بعبارة أخرى أبشع من هذه إن وجدها، وفي رأيي لا يندرج هذا الوصف في نطاق البحث الموضوعي، وينم عن مسألة نفسية شخصية لا علاقة لها بالبحث العلمي ولا التاريخي... هذا الوصف يبدو لي أنه أقرب الى التحامل والتجني منه الى الحقيقة... أو يمكن ادراجه في نطاق الخصومة السياسية مع الرئيس هواري بومدين، والتي لا يمكن أن ننكرها على نور الدين ايت حمودة أو على غيره.
7 ــ لم يذكر السيد نور الدين ايت حمودة عبان رمضان ــ رغم أهمية هذه الشخصية ــ أثناء حديثه عن مؤتمر الصومام، لا هو ولا مقدم الحصة، والحال أن شخصية عبان رمضان شخصية محورية وهامة في الثورة الجزائرية، نظرا لطابعها الجدالي والخلافي، وما ترتب عن ذلك من تجاذبات أثرت بشكل مباشر في مسيرة التحرر الوطني... إن تجاهل شخصية عبان رمضان يبدو لنا غير مفهوم وغير مبرر على الاطلاق، خاصة إذا تعلق الأمر بمؤتمر هام للثورة الجزائرية هو مؤتمر الصومام.
8 ــ اعتراف نور الدين ايت حمودة بإنقاذ جده للبشاغا بوعلام، يطرح أكثر من سؤال حول ما قيل لنا عن نشأة عميروش في بيئ

هناك تعليق واحد:

آخر الموضيع المنشورة